نقطة التوازن

10 سبتمبر 2007

إن الإنسان لا يستطيع أن يعيش دون أن تكون لديه مجموعة من المباديء و القيم التي يحددها هو بنفسه سواء بشكل إرادي أو بشكل تلقائي لا شعوري. وعند غياب هذه المجموعة من القيم يصبح الإنسان في حالة من إنعدام التوازن والتخبط, وقد تطول مدة هذا الخلل فيدخل الإنسان في مرحلة المرض النفسي وقد تكون قصيرة وهذه تعتبر طبيعية حيث يراجع الإنسان نفسه من وقت لآخر. وبغض النظر عن مدى صواب وخطأ هذه المباديء التي يتبناها الإنسان فإنه يعتبرها أساساً لتصرفاتها ومرجعاً لنفسه لأنه بطبعه لا يتحمل الشعور بأنه مخطأ أو أنه سيء. فحتى أعتى المجرمين كما أثبتت العديد من الدراسات يعتبرون أنفسهم أشخاصاً طيبين ويجدون لأنفسهم مبررات لأفعالهم حتى يحافظوا على صورتهم الجميلة أمام أنفسهم.

ويبدأ الإنسان بتكوين مبادئه للمرة الأولى أثناء طفولته بشكل غير واع من خلال فطرته التي فطر عليها بحب الخير ومن خلال التربية والمؤثرات البيئية والإجتماعية التي يتعرض لها. وفي خلال هذه الفترة تكون القيم الذاتية لدى الإنسان في أعلى درجات النقاء والصواب حتى أننا درجنا على استعمال مصطلح براءة الطفولة للتعبير عن هذا الصفاء والنقاء في قيم الإنسان الذاتية.

ومع دخول الإنسان في مرحلة المراهقة تبدأ مجموعة جديدة من القيم بالتغلغل في الإنسان من خلال بداية إدراكه لبعض الظروف الواقعية في الحياة ومن خلال تفتح مشاعره وغرائزه المختلفة وسعيه لتلبيتها مضافاً إلى ذلك محاولته المستميتة لتقليد المثل الأعلى الذي يختاره كمعبر عن طموحه وأحلامه ورغبته في الحرية من القيود التي يشعر أنها تفرض عليه من الأهل والمجتمع بسبب صغر سنه. وعادة ما تكون هذه المجموعة من القيم الجديدة مزيجاً من قيم براءة الطفولة وقيم الكبار الذين له احتكاك مباشر بهم خلال هذه الفترة. ولكن عدم الاستقرار يعتبر أمراً طبيعياً خلال هذه المرحلة ويمثل شكلاً من أشكال النمو, لذا فعادة ما تتسم مرحلة المراهقة بنوع من الإضطراب النفسي ولذلك فهي تعتبر من أخطر المراحل العمرية من حيث الصحة النفسية, حيث أنه مع حدوث هذا الإضطراب يكون المراهق صيداً سهلاً لكثير من أنواع الإضطرابات النفسية المرضية خصوصاً في ظل الحضارة المدنية الحديثة ويصبح الأمر أكثر خطورة عندما لا تتوفر العناية النفسية المناسبة له من قبل الكبار.

ثم يحين الدور على نقطة التوازن المتحركة حين يصبح الإنسان قادراً على انتقاء مبادئه بنفسه والتمييز بشكل واضح بين ما يقتنع به هو وما يكتسبه بحكم التعود أو التعامل مع المجتمع, وهذه تعتبر نقطة التحول بين مرحلة المراهقة ومرحلة النضج. وفي هذه النقطة يبدأ الإنسان بتحديد مجموعة ثابتة من القيم غير قابلة للتعديل ومجموعة أخرى أكثر مرونة يستطيع من خلال تغييرها ضمن حيز معين صعوداً أو هبوطاً إيجاد نقطة التوازن لنفسه طبقاً لمعطيات ومتغيرات الحياة والمجتمع من حوله.

بشكل عام يمكننا تمثيل نقطة التوازن هذه على خط يمثل محور الخير والشر. ودائما يسعى الإنسان لإيجاد نقطة توازن له على هذا المستوى. وتكمن مشكلة الإنسان الحقيقية في هذا الوجود في المستوى الذي يختاره لنفسه لإيقاع نقطة التوازن عليه مع الأخذ بالاعتبار جميع العوامل التي تؤثر على اختياره هذا من ظروف الحياة الاقتصادية والاجتماعية. ومن نسميهم بالأشرار عادة ما يختارون لأنفسهم نقطة توازن منخفضة وكلما انخفض مستوى هذه النقطة كلما أصبحوا أكثر قرباً للشر منهم للخير. وعلى العكس فمن نسميهم بالطيبين عادة ما يختارون نقاط توازن عالية المستوى. ولكن, مع استمرار الصعود بعد حدود معينة يبدأ الإنسان باختيار نقطة التوازن في مناطق خطرة متطرفة في العلو تقود في النهاية إلى السقوط نحو قاع الشر وهذا ما نسميه بالتطرف.

ومن هنا يمكننا صياغة مشكلة الإنسان على أنها إيجاد المستوى المناسب لنقاط التوازن بحيث تظل في الوسط كما يقول الله سبحانه وتعالى “جعلناكم أمة وسطاً” بحيث يكون الصعود أو الهبوط من حولها ضمن النطاق المقبول من الخيروالشر. والحقيقة أن هذا الإختيار صعب جداً فالعثور على الوسط خصوصاً في هذا الزمن الذي نعيشه الآن أصبح أمراً صعباً جداً.

مهزلة اسمها الزواج في القرن 21

1 أبريل 2007

صباح الخير أيها القاريء الكريم. لا تتعجب عندما تعرف أنني أكتب هذه الكلمات عند الساعة التاسعة مساءً ومع ذلك استعمل عبارة صباح الخير. فالكثير من الأمور من حولنا أصبحت تسير عكس العقل والمنطق وفقدنا القدرة على الإحساس والتعجب منها, فلماذا سنختلف على هذا الأمر البسيط؟ هل هناك مشكلة في أن نقول صباح الخير بالليل ومساء الخير في الصباح؟ مهلاً مهلاً, لا تظن أنني جننت ولكنني حائر فعلاً, فكل ما حولي يسير عكس المنطق حتى أبسط العلاقات الإنسانية.. الزواج.

لاتعد للتعجب أرجوك, فأنا جاد هذه المرة في استعمال كلمة أبسط لوصف علاقة الزواج, فهذه هي الحقيقة, ولكننا مع دخول القرن الحادي والعشرين حولناه إلى معادلات كيميائية صعبة أصبحت تستعصي حتى على الخبراء والعلماء.

دعنا نفكر قليلاً بهدوء وسترى أنني على حق. اسأل نفسك لماذا نتزوج؟ دعك من العبارات التقليدية مثل (من أجل أن نستقر, هذه سنة الحياة, لنكون أسرة, لنتوج علاقة الحب, لتلبية الغريزة الفطرية … إلخ) حاول أن تكون أعمق قليلاُ في تفكيرك. توقف قليلاً عن القراءة وحاول أن تجيب على هذا السؤال لماذا نتزوج؟

هل بدأت بحك مؤخرة رأسك من الحيرة, لا بأس دعني أساعدك, قل لي ماذا نستفيد من الزواج؟ وما الذي يحدث لو لم تتزوج؟ لن تتمكن من قضاء حاجتك الفطرية بالحلال, لن تنجب أولاد,… إلخ معك حق كل هذه الأمور متضمنة ومن الأهداف المهمة للزواج ولكن ما يزال هناك هدف رئيسي هو السبب الأول للزواج.

دعني أساعدك أكثر, متى خلق الله حواء؟ خلقها حين استشعر آدم عليه السلام الوحدة وأحس بحاجته للأنيس. هنا كان الفضل الإلهي عليه بخلق حواء من ضلعه, كي تكون من نفسه ونوعه, تؤانسه ويؤانسها. وعندما استيقظ عليه السلام فوجدها بجواره لأول مرة هل كانت هناك تعقيدات وإجرءات كي يتم التحاور والأنس والألفة بينهما. أبداً كان الأمر بسيطاً وسريعاً جداً.

هل أدركت ما أرمي إليه أم أن الأمر ما زال يكتنفه الغموض. دعني أكون أوضح, إن الهدف الرئيسي الذي شرع الله من أجله علاقة الزواج هو تلبية الفطرة التي فطر الناس عليها من الحاجة للاستئناس بالجنس الآخر, ووضع هذه الفطرة ضمن إطار متين يسهل تكوينه ويضمن في نفس الوقت أن تسير الحياة في نظام بعيداً عن الفوضى. ومادام الأمر كذلك فمن الطبيعي أن تكون علاقة الزواج واحدة من أسهل العلاقات منالاً وأبسطها تكويناً.

إن الزواج لا يحتاج إلى استعدادات حربية خاصة نبدأ بالإعداد لها قبل الزواج بسنوات. إنه يحتاج فقط أن تكون أنت موجود وهي موجودة وبينكما الألفة بكل ما تشمله من حب ومودة وإخلاص, ثم عقد العزم على الارتباط وإعلام الناس بذلك حفاظاً على النظام. كل ما عدا ذلك ليس شرطاً لإقامة علاقة الزواج. فمتى وجدت النية والعزم لدى كلا الطرفين وأعلم الناس بهذه النية كما شرع الله أصبح الزواج واقعاً. أرأيت كم هو بسيط أمر الزواج. تعال الآن نهبط سريعاً إلى أرض الواقع قبل أن يتهمنا الناس بالجنون لنرى كيف أصبحت معادلة الزواج من أصعب المعادلات حلاً في القرن الواحد والعشرين.

هتصرف عليها منين؟ أول سؤال يسألك إياه أهل العروسة؟ إن لم يكن لديك مصدر ثابت للدخل فهذا يعني أنك لم تستكمل صفات الرجولة ولست مؤهلاً للزواج. وكأنك قبل الزواج كنت شحاذاً جائعا ً!!!! ألم تكن تعيش كما يعيش الناس تأكل وتشرب وتلبس من رزق الله. ولكن لا لابد أن يكون لديك مصدر ثابت للدخل ضماناً لمستقبل ابنتنا. وكأن الذي أعطاك هذا الرزق غير قادر على أن ينزعه منك بعد الزواج. أو وكأنك قبل الزواج كان الله يرزقك وبعد الزواج لابد أن تكون أنت رازق نفسك وزوجتك وأبنائك. لا يهم ما الذي تفعله لتوفر هذا المصدر, لا يهم إن كنت تقوم بما يفيد في الحياة أم أنك مجرد دمية تتحرك وتقوم بأي عمل كي تكسب الرزق. ولكن إياك أن يكون عملك غير مدر للمال حتى ولو كان أعظم وأنبل المهن, ولكن المهم أنك تؤدي فعلاُ يقيمه الناس بالمال. تهانيّ الحارة الآن أصبحت رجلاً.

هتسكنها فين؟ المجهول الثاني في المعادلة الصعبة, ربما كنت تفترش الأرض وتلتحف السماء قبل الزواج!!!. لن أتحدث عن المهر والشبكة والفرح والمهازل التي نراها ونسمع عنها كل يوم في هذا الشأن فبالتأكيد لديك علم عنها أكثر مني. ولكني سأحاول الوصول إلى الخلاصة قبل أن تمل من قراءة كلماتي.

ما قيمة الزوجة إذا كنت سأتعب وأقضي أفضل سنوات حياتي وشبابي وأنا أسعى كي أؤمن متطلبات الزواج. ما قيمتها إن لم تكن معك على الفرح والحزن, والفقر والغنى, والجوع والشبع. لا تقل لي أنني الرجل ومسؤول عنها. مسؤليتك تتلخص في أمرين إن لم تقبلهما منك المرأة فلا حاجة لك بها. مسؤوليتك تتلخص في أن لا تبخل عليها حين يكون معك المال, وأن لا تأكل أنت حتى تشبع هي حين لا تملكه. هذه مسؤوليتك نحوها كرجل. أما أن تقضي سنوات شبابك تدبر وتخطط للحدث العظيم وأنت تقضي لياليك وحيداً تحلم بذلك اليوم الذي تجد فيه الأنيس فاسمح لي هذه حماقة, ولكني لا ألومك وحدك عليها, ففي الغالب أنك مضطر للتحامق لأنك لم تجد عقلاء من حولك, فإن كانت هذه حالك فليس لك إلا الصبر والدعاء ولكن إياك أن تؤمن بهذه الحماقة, فالإنكار بالقلب هو أضعف الإيمان.

هل تريد البرهان على كلامي, أنظر حولك لماذا تفشت العلاقات غير المشروعة بين الشباب والبنات هذه الأيام, إنهم في الحقيقة يمارسون نوعاً من الزواج المؤقت حتى وإن لم يأخذ هذه التسمية, وحتى إن لم تكن هناك ممارسات كاملة لأفعال الزواج. إنهم يتزوجون زواجاً مؤقتاً مشوهاً ينقصه حيناً الاستقرار وحيناً الاحترام وحيناً حين يتصف الطرفين بالصفاء والطهارة تنقصه ممارسة غريزة الحب وحيناً ..وحيناً.. ولكنهم في الحقيقة يمارسون أساس الزواج وهو الاستئناس بالجنس الآخر. لا تلمهم وحدهم, فهم ضحايا لحماقتهم وحماقة الآخرين.

كان يدرس الاقتصاد… هل هو غبي؟

1 مارس 2007

منذ بضعة أيام حكى لي صديقي قصة طريفة عن معاناته مع مادة الاقتصاد التي كانت مقررة عليه في المرحلة الجامعية. لقد كان صديقي هذا من المتفوقين ورغم ذلك رسب في مادة الاقتصاد مرتين. سألته عن السبب فقال لي أنه لم يكن يفهم نظرية السوق وتحديد الأسعار وفق العرض والطلب. فتعجبت فالأمر سهل عندما يزداد الطلب يرتفع السعر وعندما يقل الطلب ينخفض السعر. الأمر بسيط جداً فأجابني بقوله ولكنني كنت غبياً وفهمتها بالعكس. فاستغربت جداً وطلبت المزيد من الايضاح, فقال المنطقي هو أن ينخفض السعر عندما يزداد الطلب ويرتفع السعر عندما يقل الطلب لأن هذا ما يحقق مصلحة الجميع. هنا توقفت وبدأت أفكر. إنه محق فعندما يزداد الطلب فإن هذا معناه أن المزيد من السلعة سوف يباع وسوف تزداد الأرباح ومن المنطقي أن ينخفض السعر فأنا قادر على تحقيق نفس القدر من الأرباح بسعر منخفض من خلال زيادة المبيعات. وعلى العكس فعندما ينخفض الطلب تصبح الكمية المباعة قليلة وبالتالي نكون بحاجة لرفع السعر لتحقيق العائد المتوقع. ولكن… همم يبدو أنني أيضاً أصيبت بعدوى الغباء من صديقي .. لقد نسيت أننا في عالم لا يهتم الواحد فيه بمصالح الآخرين وإنما يهتم بنفسه ونفسه فقط ولذلك عندما يزداد الطلب فهذا معناه أنني يمكن أن احقق المزيد والمزيد من الأرباح من خلال استمرار استغلال حاجة الناس للسلعة وشيئاً فشيئاً أكبر وأكبر وأصبح أنا المسيطر على السوق والمحتكر للسلعة وهو ما يرفع الطلب أكثر على سلعتي ويعطيني فرصة أكبر لمزيد من الاستغلال والجشع ورفع الأسعار ومزيد من النمو. أما أولئك المساكين الصغار الذين يقل الطلب على سلعتهم بسبب قدرتي ونفوذي فإن سعر سلعتهم سينخفض أكثر وأكثر وتعظم خسارتهم مرة بعد أخرى حتى يعلنوا إفلاسهم ويخلوا السوق لي ويتعزز احتكاري له أكثر فأكثر. يالك من غبي يا صديقي. لماذا لم تفهم أن هذا النظام هو من وضع البشر ومن الطبيعي أن يعكس رغباتهم ونزواتهم وجشعهم لا أن يعكس تلك العواطف الحنونة التي تظهرها أنت نحو الآخرين. هل تريد من التاجر أن يتنازل عن كل هذا لأجل مصلحة شخص آخر بالله عليك اصمت قبل ن يتهمك الناس بالجنون.  أنت في القرن 21 حيث لم يعد هناك مجال للبقاء سوى للأقوى.

وهنا توقفت عن الاسترسال في أفكاري ونظرت إليه وقلت له صدقني لم تكن غبياً ولكنه فصل آخر من مسرحية عالم مجنون يعيش بمنطق معكوس.

وهم اسمه الفراعنة

1 فبراير 2007

من المألوف أن نشاهد شخصاً يبذل غاية الجهد ويصر ويلح كي يسكن بناءً فاخراً, ولكن العجيب أن نراه يبذل كل ذلك الجهد بعد أن يزال البناء ويصبح أثراً بعد عين. ألن نصفه حينها بالحماقة أو في أحسن الأحوال بأنه مشرد لا مأوى له يتعلق بأي قشة حتى ولو كانت أنقاض بناء مهدوم.

حقيقة هذا هو حالنا مع الحضارة الفرعونية القديمة, إذ يتبارى من يسمون أنفسهم بالمثقفين في تمجيدها والافتخار بأنهم من أحفادها, والتأكيد على أن مصر فرعونية. كيف يكون ذلك وقد مر على هذه الحضارة آلاف السنين, ولم يتبقى منها سوى الآثار والأطلال؟ كيف وقد أتي بعدها في مصر عدد من الحضارات من الاغريقية والرومانية ثم الفتح الاسلامي ثم الحكم العثماني والاحتلال الانجليزي. وأخيراً نحن بعد الثورة وخروج الاستعمار. لماذا يصرون على أن مصر فرعونية وستبقى كذلك؟ من منهم يستطيع أن يثبت أن نسبه يمتد إلى الفراعنة وأنه فعلاً من أحفادهم؟ في الحقيقة قليلون جداً وربما لا أحد.

إنني لا أناصب هذه الحضارة العداء, فهي كغيرها من الحضارات كانت لها ملامح مضيئة وأخرى على النقيض. ولكن القضية هو أنني اعترض على أن ننسب لأنفسنا ما ليس لنا, لأننا في الحقيقة مفلسون ولا نملك شيئاً. إن هذا السعي المحموم نحو فرعنة مصر الحديثة ما هو في الحقيقة إلا مهرب آخر نحاول الفرار إليه من حقيقة مؤلمة, هي أننا بلا حضارة وأننا لسنا إلا انعكاساً مشوهاً لخليط من الحضارات الأخرى. في البداية لجأنا إلى الشرق بأفكاره الاشتراكية وبعد أن فشلنا يمّمنا وجوهنا نحو الحضارة الغربية نحاول نقلها كما هي في واحد من أغبى أنواع التقليد الأعمي. والآن وعندما بدأنا نستيقظ من الوهم وندرك أن معطيات الحضارة الغربية لا تتناسب مع معطيات مجتمعنا. وفشلنا في أن نصل لن أقول إلى مقدمة الركب ولكن حتى إلى منتصفه. وتذيلنا بجدارة قائمة الحضارات الإنسانية القائمة. لم نجد أمامنا إلا النظر إلى الوراء, إلى الماضي السحيق, لعلنا نجد فيه وهما نستتر وراءه ونستر عار تخلفنا به. إلى متى سنظل نلتفت حولنا يمنة ويسرة والآن إلى الوراء؟ لماذا لا ننظر إلى الأمام وإلى الواقع؟ لماذا لا نصنع لأنفسنا حضارة حقيقية جديدة؟ ولنستمد جانباً من أسسها من تراثنا وثقافتنا ومبادئنا الراسخة وجانباً آخر من معطيات العصر الحديث.

لماذا لا تكون لدينا نظمنا الاجتماعية والأخلاقية الخاصة بنا؟ لماذا لا نمتلك من العلم في عقول أبنائنا ما يمكننا من أن نقوم بأنفسنا ونتوقف عن الاعتماد على الآخرين؟ لماذا لا نصنع بأنفسنا ما نحتاج إليه؟ لماذا لا نعطي بدل أن نأخذ؟ ونصدر بدلاً من أن نستورد؟ لماذا لا نكون نحن الكبار بدلاً من أن نقف على مدرجات ملعب الحضارة الإنسانية نتفرج على لعبة الكبار.

إن كل الدول التي انضمت إلى نادي الكبار سواء أكانت من الأعضاء القدامي أو من الأشبال والناشئين قد أخذت بمبدأ ليس الفتى من يقول كان أبي…. إنما الفتى من يقول ها أنا ذا.

أحب مصر إلى متى؟

1 يناير 2007

 في يوم واحد تعرضت لموقفين متتاليين أثارا بداخلي في البداية شعوراً رائعاً ولكن بعد لحظات من التأمل أصابني حزن عميق. بداية كنت أتابع أحد الأفلام السينمائية وكان البطل يردد عدداً من العبارات عن اعتزازه بانتمائه لمصر وباستعداده لبذل الغالي والنفيس للحفاظ على أمنها واستقرارها. حقيقة لكثرة ما سمعت مثل هذه العبارات تتردد في قاعات العرض السينمائية فإنني لم أعر كلامه اهتماماً يذكر. ولكن بعد ساعات قليلة دار نقاش ساخن بيني وبين بعض الزملاء حول موضوع ما, وانفعل أحدهم وتفوه ببعض العبارات التي ربما لا يليق بشخص وطني فعلاً أن يتفوه بها, ولكن ما لفت نظري حقاً هو الانفعال الرهيب لأحد الحاضرين رداً عليه, فقد كان على وشك الدخول معه في مشادة بالأيدي وختم الموقف بعبارة استغربتها عندما تأملتها. قال إن حفنة من تراب مصر أغلى من حياة الملايين من البشر

إن ما تعجبت له هو انفعالنا بالشعارات البراقة دون حتى أن نعي أو ندرك مدى دقتها. فما الفرق بين التراب في مصر والتراب في أي مكان آخر سواء هنا أو هناك. هل حب الوطن هو حب التراب؟ هل حب الوطن هو حب الجماد الذي لا ينطق؟ إن قيمة المكان هي قيمة أهله وساكنيه, اولئك الذين يبعثون الحياة في المكان. فما قيمة الصحراء المقفرة إذا لم تطلها يد العمران والبناء. في الحقيقة هو انفعال ظاهر وتعلق بشعارات بعضها صحيح وبعضها يفتقر إلى الدقة ويميل إلى صيغة التهويل والمبالغة, ثم بعد ذلك ينتهي الأمر.
 
هل حب الوطن هو ترديد للشعارات والتفاخر بها أم أنه عطاء يبذل لخدمتها؟ حتى متى نظل نردد أحب مصر ثم نعمل على تحقيق مصالحنا الشخصية , ضاربين عرض الحائط بمصلحة مصر وأهل مصر؟ حتى متى نظل نستمتع بمختلف أنواع الملذات وننصرف عن العمل الجاد لبناء مصر وخدمة أهلها؟ حتى متى نظل نرى الصواب ونتحاشاه لتحقيق مآربنا الشخصية؟ أين هو فعلاً حب مصر يا مرددي الشعارات؟ إن مرددي هذه الشعارات في أيامنا هذه للأسف لم يعدوا أن يكونوا إحدى فئتين: إحداهما ترددها أمام الآخرين من باب الضرورة وهي لا تؤمن بها أساساً, والأخرى أغلقت على هذه الشعارات في طيات قلوبها دون أن تترجم هذا الحب إلى واقع عملي.
 
إن حب الوطن يقتضي الاخلاص في العمل. إن حب الوطن يقتضي بذل الجهد والتعب من أجل الآخرين في هذا الوطن. إن حب الوطن يقتضي من الصغير قبل الكبير أن يبذل ما في وسعه ومقدرته من أجل أن يكون هذا الوطن أفضل. إن حب الوطن يقتضي من كل منا أياً كانت مهنته أن يتقن عمله ويؤديه في أحسن صورة. فإلى متى تظل هذه حالنا؟ عذراً لزميلي الذي تفوه بهذه العبارات فأنا لم أقصد أحداً بعينه ولكني أخاطب ضمير كل مواطن مصري, فإلى متى سنظل نكتفي بكلمة أحب مصر.