|
عودة إلى عناوين المقالات
|
|||
|
وهم اسمه الفراعنة |
|
||
|
من المألوف أن نشاهد شخصاً يبذل
غاية الجهد ويصر ويلح كي يسكن بناءً فاخراً, ولكن العجيب أن نراه يبذل كل ذلك
الجهد بعد أن يزال البناء ويصبح أثراً بعد عين. ألن نصفه حينها بالحماقة أو في أحسن
الأحوال بأنه مشرد لا مأوى له يتعلق بأي قشة حتى ولو كانت أنقاض بناء مهدوم.
حقيقة
هذا هو حالنا مع الحضارة الفرعونية القديمة, إذ يتبارى من يسمون أنفسهم
بالمثقفين في تمجيدها والافتخار بأنهم من أحفادها, والتأكيد على أن مصر فرعونية.
كيف يكون ذلك وقد مر على هذه الحضارة آلاف السنين, ولم يتبقى منها سوى الآثار
والأطلال؟ كيف وقد أتي بعدها في مصر عدد من الحضارات من الاغريقية والرومانية ثم
الفتح الاسلامي ثم الحكم العثماني والاحتلال الانجليزي. وأخيراً نحن بعد الثورة
وخروج الاستعمار. لماذا يصرون على أن مصر فرعونية وستبقى كذلك؟ من منهم يستطيع
أن يثبت أن نسبه يمتد إلى الفراعنة وأنه فعلاً من أحفادهم؟ في الحقيقة قليلون
جداً وربما لا أحد. إنني
لا أناصب هذه الحضارة العداء, فهي كغيرها من الحضارات كانت لها ملامح مضيئة
وأخرى على النقيض. ولكن القضية هو أنني اعترض على أن ننسب لأنفسنا ما ليس لنا,
لأننا في الحقيقة مفلسون ولا نملك شيئاً. إن هذا السعي المحموم نحو فرعنة مصر
الحديثة ما هو في الحقيقة إلا مهرب آخر نحاول الفرار إليه من حقيقة مؤلمة, هي
أننا بلا حضارة وأننا لسنا إلا انعكاساً مشوهاً لخليط من الحضارات الأخرى. في
البداية لجأنا إلى الشرق بأفكاره الاشتراكية وبعد أن فشلنا يمّمنا وجوهنا نحو
الحضارة الغربية نحاول نقلها كما هي في واحد من أغبى أنواع التقليد الأعمي.
والآن وعندما بدأنا نستيقظ من الوهم وندرك أن معطيات الحضارة الغربية لا تتناسب
مع معطيات مجتمعنا. وفشلنا في أن نصل لن أقول إلى مقدمة الركب ولكن حتى إلى
منتصفه. وتذيلنا بجدارة قائمة الحضارات الإنسانية القائمة. لم نجد أمامنا إلا
النظر إلى الوراء, إلى الماضي السحيق, لعلنا نجد فيه وهما نستتر وراءه ونستر عار
تخلفنا به. إلى متى سنظل نلتفت حولنا يمنة ويسرة والآن إلى الوراء؟ لماذا لا
ننظر إلى الأمام وإلى الواقع؟ لماذا لا نصنع لأنفسنا حضارة حقيقية جديدة؟
ولنستمد جانباً من أسسها من تراثنا وثقافتنا ومبادئنا الراسخة وجانباً آخر من
معطيات العصر الحديث. لماذا
لا تكون لدينا نظمنا الاجتماعية والأخلاقية الخاصة بنا؟ لماذا لا نمتلك من العلم
في عقول أبنائنا ما يمكننا من أن نقوم بأنفسنا ونتوقف عن الاعتماد على الآخرين؟
لماذا لا نصنع بأنفسنا ما نحتاج إليه؟ لماذا لا نعطي بدل أن نأخذ؟ ونصدر بدلاً
من أن نستورد؟ لماذا لا نكون نحن الكبار بدلاً من أن نقف على مدرجات ملعب
الحضارة الإنسانية نتفرج على لعبة الكبار. إن كل الدول التي انضمت إلى نادي الكبار سواء أكانت من الأعضاء القدامي أو من الأشبال والناشئين قد أخذت بمبدأ "ليس الفتى من يقول كان أبي.... إنما الفتى من يقول ها أنا ذا".
|
|||
|
تعليقات القراء هذه التعليقات تعبر عن رأي أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
|
|||
|